تغير مفاجئ في الموقف التركي تجاه مصر، وذلك بعد التصريحات التي اطلقها وزير الخارجية التركي الجمعة الماضية وزير الخارجية التركي مولود جاوويش أوغلو، إن بلاده بدأت اتصالات دبلوماسية مع مصر، في أحدث إشارة بشأن تطور العلاقات بين أنقرة.
وصرح جاوويش أوغلو لوكالة “الأناضول” الرسمية التركية: “بدأنا اتصالاتنا مع مصر على الصعيد الدبلوماسي، ولدينا اتصالات مع مصر على مستوى الاستخبارات أو وزارة الخارجية”.
وفي هذا السياق، يطرح سؤال نفسة وهو لماذا ترغب تركيا في عمل مصالحة مع مصر بالوقت الراهن؟.
مغازلة إعلامية
أظهر الساسة الأتراك وعلى رأسهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحولا كبيرا تجاه مصر، فبعد ان كانت تصريحات الساسة الأتراك وأردوغان هجوما مستمرا على مصر ورئيسها، أصبحت الآن “مغازلة” كما أطلقت عليها الكثير من وسائل الإعلام العربية والأجنبية.
وبدأت هذه المغازلة رئيس الوزراء التركي السابق، بن على يلدريم، الذي كتب في 2016 عن ضرورة الفصل بين العلاقات الاقتصادية والاجتماعية من جهة والخلافات السياسية من جهة أخرى، فيما يتعلق بالتعاون مع مصر.
ولم يكن أقطاي هو المسئول التركي الوحيد الذي يدلي بهذه “النغمة” الجديدة من التصريحات، حيث جاء بعد مستشار الرئيس التركي ياسين أَقطاي، حينما قال مقابلة أجراها، أن “الجيش المصري جيش عظيم، ونحن نحترمه كثيرا، لأنه جيش أشقائنا“.
أيضا عندما قال أردوغان في مؤتمر صحفي عن أزمة بلده مع اليونان بشأن التنقيب في شرق البحر المتوسط، قال أردوغان: “إجراء محادثات استخباراتية مع مصر أمر مختلف وممكن وليس هناك ما يمنع ذلك، لكن اتفاقها مع اليونان أحزننا“.
لكن وزارة الخارجية المصرية أبدت تحفظا على “المبادرة” التركية، وقالت في بيان إن “نهج” تركيا يفتقر إلى “المصداقية“.
من جانبها، تعتقد الأحزاب المعارضة التركية في أهمية التقارب السياسي مع مصر، وفي مقابل ذلك تندد بعلاقة الرئيس رجب طيب إردوغان بجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية وإيواء تركيا بعض أفرادها على أراضيها.
تحول استراتيجي
يقول أحمد الباز، مدير مركز “الإنذار المبكر” للدراسات السياسية والأمنية، ومقره أبوظبي، في تصريحات لموقع “الحرة” الأمريكي إن تصريحات الساسة الأتراك ومغازلة أنقرة لمصر جاءت نتيجة التحول الاستراتيجي الذي أقرته القاهرة خلال الشهور الماضية تجاه محوري ليبيا وشرق المتوسط، على حد قوله.
وفي يونيو الماضي، وبعدما تفقد وحدات عسكرية في قاعدة “سيدي براني” الجوية قرب الحدود مع ليبيا، تحدث الرئيس عبدالفتاح السيسي عن “حق مصر الشرعي للتدخل في ليبيا”، وذلك بعد أيام من قوله أمام حشد ضم عددا من قيادات القبائل الليبية: “إذا كان يعتقد البعض أنه يستطيع أن يتجاوز خط سرت-الجفرة.. ده أمر بالنسبة لنا خط أحمر“.
كما أشار الباز إلى توقيع اتفاق ترسيم الحدود المصرية اليونانية، وهو الأمر الذي وصفه بـ”تحول استراتيجي ثان” ترتب عليه “حصار” قانوني لتركيا وقضم لتوسعها غير المنضبط، على حد قوله.
كسر التحالفات
أيضا يقول المراقبون أن تركيا تريد التوصل لاتفاق مصري-تركي حول المياه الاقتصادية بين الدولتين في شرق المتوسط.
وأوضح المراقبون أن تصريحات تركيا تريد استقطاب مصر من التحالفات القائمة في منطقة شرق المتوسط، وذلك لأن مصر تمثل ثقلا، وستحقق تركيا مكسبا إذا نجحت في كسر هذا التحالفات.
وفي يناير 2019، اجتمعت دول بشرق المتوسط، واتفقت على إنشاء “منتدى غاز شرق المتوسط”، على أن يكون مقره القاهرة.
ويضم المنتدى مصر وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية، دون أن توجه الدعوة لتركيا التي كانت لتوها وقعت اتفاقية مع ليبيا لترسيم الحدود البحرية، الأمر الذي قوبل بإدانة العديد من الدول وعلى رأسهم مصر.
ويرى المراقبون أن المحاولة التركية لاستقطاب مصر الآن من تحالفاتها الجديدة، وإعادة التحالف القديم معها لا يبدو بهذه السهولة، فعقبات جمة تقف حائلا دون تنفيذ ذلك.
موقف الاخوان من المصالحة
كشف تحليل أميركي للعلاقات الخارجية التركية أن أنقرة أدركت أن عودة الإخوان إلى السلطة انتهت وأن الجماعة أصبحت من الماضي، وبالتالي حان الوقت للتخلص من إرث هذه الجماعة التي تحالفت معها منذ الربيع العربي لأهداف أيديولوجية وإعادة العلاقات بمصر.
وتتطلع تركيا إلى إعادة العلاقات مع مصر بعد سنوات من العداء في خطوة يقول محللون إنها جزء من تحول استراتيجي أوسع في مواجهة عزلتها المتزايدة. وقال إبراهيم كالين، المتحدث باسم الرئاسة التركية، في وقت سابق من هذا الشهر “يمكن فتح صفحة جديدة في العلاقات مع مصر ودول الخليج”. وأكد وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، أن الجهود الدبلوماسية جارية لإصلاح العلاقات.
وبحسب تقرير تحليلي لوكالة VOA الأميركية، تعتبر مصر وتركيا حليفين تقليديين، لكن العلاقات كانت دخلت في حالة جمود عميق منذ سقوط الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي في عام 2013، عندها سحب البلدان سفيريهما.
وأوضح التقرير أن دعم أنقرة للإخوان المسلمين خلال الربيع العربي كان محوريًا لأهداف أيديولوجية إلى حد كبير، لإبراز نفوذها في الشرق الأوسط من خلال تعزيز التضامن الإسلامي.
ويشير المحللون إلى أن أردوغان يبحث عن طريقة لإعادة هذه السياسة إلى الوراء. وقال حسين باجي، من معهد السياسة الخارجية وهو مركز أبحاث في أنقرة: “لقد كان من الخطأ دعم الإخوان المسلمين لكن الحكومة (التركية) تدرك الآن أن الإخوان المسلمين ليس لديهم أدنى فرصة للوصول إلى السلطة مرة أخرى، لذلك لا يمكننا الاستمرار في هذه السياسة”.
وأضاف باجي: “لكن كيفية الخروج من هذه السياسة الخاطئة علنًا هي مشكلة أردوغان.. فلا يمكن لتركيا أن تقول رسميًا إننا سوف نتخلى عن دعم الإخوان المسلمين.. أردوغان لن يقول ذلك رسميًا. لكن ربما ببطء سيتحرك من موقفه الرسمي المتمثل في مناهضة الرئيس المصري”.


Powered by