كشفت قضية لقاح كورونا الغطاء عن الشعارات التي رفعتها اوروبا طوال السنوات الماضية حول حقوق الانسان في الدواء، وهو ما اعلن عنه صراحة رئيس الوزراء النمساوي وهي دولة عضو بالاتحاد الاوروبي حول غياب العدالة في توزيع اللقاح وعدم حصول بعض الدول علي ما اتفقت عليه من لقاحات الي جانب ترتيب الفئات الاكثر احتياجًا للقاح، وهو ما يشير الي غياب العدالة داخل تلك الدول بحسب ما اعلن مسئولين داخل الحكومات الاجنبية سواء من خلال تصريحات صحفية او تدوينات علي مواقع التواصل الاجتماعي.
وبحسب ما ذكر الدكتور محمد بدر الدين زايد بصحيفة المصري اليوم، فأنه حسب ما يتردد فما سيحدث فى أوروبا أو أغلب دولها أنهم سيبدأون بتلقيح الفئات الأكثر تعرضًا للخطر من مواطنيهم أولًا، ثم مواطنى الاتحاد الأوروبى المقيمين، يليها غير أبناء الاتحاد الأوروبى، ما هو غير واضح بعد هو موقف الأغيار من الفئات الأكثر تعرضًا للخطر، وهل ستكون لها أولوية مع نظيرتها من أبناء الدولة. وكى يكون النقاش موضوعيًا لو أن دولة فقيرة ما- دون تسميتها- حصلت على معونات ودعم إنسانى كبير من عدة دول غنية وتم تزويدها بكم كبير من اللقاحات، كيف سيكون تصرفها إذا كان لديها لاجئون ومهاجرون من دول أخرى مجاورة، وربما مقيمون من دول أخرى عمومًا، لماذا يريد مدير منظمة الصحة العالمية أن أصدق أن هذه الدولة ستعطى أولوية للمهاجرين غير الشرعيين لديها أو النازحين إلى أراضيها لأن بلادهم فى حالة حرب؟ وأليس هذا هو الوضع الفعلى فى كثير من مناطق النزاعات- لو تبنت حكومة هذه الدولة الفقيرة فكرة مساواة أبنائها بالمقيمين- فقد يؤدى هذا إلى اضطرابات سياسية واجتماعية هائلة؟.
وفى الحقيقة أن نفس هذا السيناريو ممكن فى أى دولة أوروبية أيًا كان مستواها الاقتصادى، إذ قد تؤدى أى سياسات بعدم إعطاء مواطنيها الأولوية، خاصة فى مراحل بطء توفير اللقاحات، إلى ردود فعل غير مواتية للحكومات ولاستقرار هذه الدولة، والأخطر أن تبنى أى حكومة غنية هذه السياسات قد يولد على العكس مشاعر عنصرية ربما لم تكن مثارة قبل بدء هذه السياسات، ربما تكون الحصافة هنا متوقفة على مدى انتشار الفيروس، ومدى ثراء الدولة وقدرتها على توفير اللقاحات، وتشجيع نخبها الثقافية والسياسية للخيارات الإنسانية التى تجعل الانتباه يتوجه إلى كل الفئات الأكثر خطرًا فى البداية، وأن يكون ذلك بطريقة تلقائية تتوحد فيها إرادة المجتمع والحكومة معًا.
لقد شهدت أغلب أجزاء العالم عمليات تطهير عرقى، إلا أنه من المؤسف أن عمليات التطهير العرقى جرت فى دول الجنوب بمعدلات أعلى كثيرًا مما حدث فى الغرب- بشكل خاص يوغسلافيا السابقة- ومن وقت لآخر تحدث وقائع مؤسفة فى مناطق إفريقية وأحيانًا آسيوية، ويؤدى هذا إلى حالات نزوح، آخرها مثلًا ما حدث فى إثيوبيا لأقلية التيجراى- التى ينتمى إليها مدير منظمة الصحة العالمية- فهل تعطى أولوية لتطعيم هؤلاء النازحين فى الأراضى السودانية على حساب مواطنين سودانيين؟ ثم أين مسؤولية الحكومة الإثيوبية من كل هذه المسألة، وماذا ستفعل بالنسبة لمكونات شعبها، هل هناك ضمانات فى وجود عدالة توزيعية داخل نفس هذه الدولة؟ وفى الواقع أن التساؤلات كثيرة جدًا، أضيف إلى تعقيداتها كيف ستطبق العدالة فى مناطق سيطرة المتمردين والميليشيات المتطرفة فى سوريا مثلًا بالنسبة للأبرياء، كل هذا يضيف للقضية الرئيسية، هل تنطبق العدالة على سلوك الأغنياء وحدهم ولا تسرى على الفقراء؟ ولا ننسى أن درامية السؤال تتضاعف مع حالة عدم اليقين بشأن فاعلية اللقاحات بشكل عام ولأى مدى زمنى.
كانت العدوى متاحة للجميع، لكن البعض الآن يتساءل هل سيكون اللقاح متاحاً للجميع؟ بسبب غلاء تكلفة اللقاح، والحاجة لأكثر من جرعة… فقد بدأت الدول تتسابق للحصول على اللقاح في ظل تخوف لدى الشعوب الفقيرة ألا يكون اللقاح في متناولها”، تساؤل طرحة بعض الكتاب في عدد من الصحف العربية والاجنبية حول عدالة التوزيع علي وجه التحديد داخل اوروبا.
وفي هذا السياق، تفاقم الوضع الصحي في أوروبا بسبب تأخر تسليم لقاحات كورونا المستجد، في وقت دخلت فيه قيود جديدة حيز التنفيذ لمنع انتشار الفيروس في ألمانيا وفرنسا وهولندا، ودعا رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال اليوم شركات الأدوية إلى “الشفافية” بشأن أسباب التأخير في تسليم اللقاحات التي أعلنت عنها استرازينيكا وفايزر. وقال إن “ما نطلبه من هذه الشركات هو حوار شفاف”.
وأضاف ميشال في تصريح لإذاعة “أوروبا 1” وقناة “سينيوز” وصحيفة “ليزيكو” الفرنسية “من المؤكد أننا نعتزم تنفيذ العقود التي تم التصديق عليها من قبل شركات الأدوية”، مؤكدا أنه “يتعين علينا أن نعمل من أجل توضيح أسباب الإعلان عن التأخيرات في بعض الأحيان“.
وتتوقع بعض الدول الأوروبية الحصول على كمية لقاحات أقل بنسبة 80 % عما كان مقررا، وحاول المسؤولون الفرنسيون والألمان من جانبهم طمأنة السكان الذين نفد صبرهم بسبب بطء حملة التطعيم، وأكدت وزيرة الصناعة الفرنسية أنييس بانييه-رانشر في وقت سابق أن خطة التطعيم لن تتأثر بمواعيد التسليم المعلنة، وقالت لإذاعة فرانس انتر “ستصلنا لقاحات جديدة، وهناك فايزر التي تزيد طاقتها الإنتاجية“.
وفي ألمانيا، طمأن وزير الصحة ينس شبان أيضًا الى أنه بعد حصول اللقاح على الموافقة في الاتحاد الأوروبي في غضون أسبوع “ستصل شحنات من استرازينيكا” وتدارك “بالنسبة الى الكمية، لا يزال يتعين علينا توضيح ذلك مع أسترازينيكا والاتحاد الأوروبي في الأيام المقبلة“.
وفي سياق متصل كشف شبان أن بلاده ستصبح أول دولة في الاتحاد الأوروبي تستخدم العلاج التجريبي القائم على القائم على الأجسام المضادة الذي تلقاه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وقال لصحيفة “بيلد ام تسونتاغ” إن “الحكومة اشترت 200 ألف جرعة بسعر 400 مليون يورو”، مشيرا إلى إن هذا المزيج من الأجسام المضادة “الأحادية النسيلة” سيُستخدم في المستشفيات الجامعية.
بحسب الأمم المتحدة، فإن عشرة بلدان فقط قامت بطرح 75% من جميع لقاحات كوفيد-19. وفي غضون ذلك، فإن أكثر من 130 دولة لم تتلق جرعة واحدة، مما يشير إلى التفاوت وغياب العدالة في ذلك.
وأشار الأمين العام للأمم المتحدة إلى أن طرح اللقاحات لمكافحة كوفيد-19 يبعث على الأمل، وأضاف: “أصبحت هزيمة كوفيد-19 الآن بعد أن بدأنا في امتلاك القدرة العلمية للقيام بذلك أكثر أهمية من أي وقت مضى”.
وشدد السيّد غوتيريش على أن المساواة في اللقاحات تُعدّ الآن أكبر اختبار أخلاقي أمام المجتمع العالمي، “يجب أن نضمن أن الجميع في كل مكان يمكن تطعيمهم في أسرع وقت ممكن”.
وقال الأمين العام: “المتضررون من النزاع وانعدام الأمن معرّضون بشكل خاص للتخلف عن الركب. عندما تضرب الجائحة، لا نكون آمنين إلا إذا كان الجميع آمنين”.
وفي مصر علق الدكتور محمد عوض تاج الدين مستشار الرئيس للشئون الصحية، إن المتاح عالميا من اللقاحات المضادة لفيروس كورونا المستجد «كوفيد-19» ليس كافيًا، وهذا الأمر ليس في مصر فقط، وإنما في كل دول العالم، حيث إن الدول التي بها مصانع لإنتاج هذه اللقاحات استحوذت لنفسها على أكبر كمية ممكنة، وهذا يتعارض مع عدالة التوزيع.


Powered by